تؤدّي كلير فوي دور البطولة إلى جانب صقر من نوع «الشاهين»، في اقتباسٍ سينمائي لمذكّرات هيلين ماكدونالد الحائزة جوائز. من بين كلّ الأشياء الغريبة التي يفعلها الحزن بالعقل، لعلّ أغربها هو تشوّه الإحساس بالزمن. بعضنا يُقذَف إلى المستقبل، عاجزًا عن التوقّف عن الهوس بما قد يحدث. آخرون يغوصون في الماضي، متخيّلين أنّ بإمكانهم تحديد اللحظة التي بدأ فيها كلّ شيء ينهار. وهناك مَن يُشَلّون في الحاضر، غير قادرين على تصوّر أيّ لحظة تتجاوز الآن.
عندما يتوفّى والد هيلين ماكدونالد (كلير فوي) المحبوب، وهو مصوّر حائز جوائز (بريندان غليسون)، بشكلٍ مفاجئ، تنزلق هيلين إلى الفئة الأخيرة. هي في الأشهر الأخيرة من زمالة في جامعة كامبريدج، على أعتاب ما تبقّى من حياتها. تحتاج إلى وضع خطط للعمل وإيجاد مكان جديد للعيش. لكن، وعلى رغم من حفاظها على مظهرٍ صلب في الأماكن العامة، فإنّها في المنزل بالكاد تستطيع التحرّك.
لا تفهم هيلين بالكاد حالتها العاطفية، لكنّ ما تعرفه هو أنّها تحتاج إلى رفيق. البشر، حتى أقرب أصدقائها، كريستينا (دينيس غوغ)، باتوا لا يُحتمَلون. لذلك تلجأ إلى العالم الطبيعي، ذلك العالم الذي علّمها والدها حبّه. تتواصل مع صديق قديم من أيام ممارستها للصقارة، ستيوارت (سام سبرويل)، وتطلب منه مساعدتها في اقتناء وتدريب صقر بري من نوع الـ«غوشهوك» - طائر، كما يحذّرها، ليس لضعاف القلوب. تقول له: «أحتاج إلى واحد». لا تستطيع تفسير السبب، لكنّها تعرف ذلك يقيناً.
فيلم H Is for Hawk، من إخراج فيليبا لوثورب، أُعِدّ للاقتباس عن مذكّرات ماكدونالد الصادرة عام 2014 والحائزة على جوائز، وذلك بقلم لوثورب وإيما دونوهيو. إنّ سردية حيوان يساعد إنساناً مفجوعاً في الشفاء ليست أمراً غير مألوف. لكن في قصة هيلين شيء جذاب، غير خطّي ووحشي، يجرّد الحكاية من قدرٍ من العاطفية المُسكِرة التي تتسلّل أحياناً إلى هذا النوع من القصص.
مع تدريب هيلين للصقر الذي تطلق عليه اسم «مابل»، قد يتوقّع المرء أن يلتئم قلب هيلين بالتوازي. لكن الواقع أنّ الرابطة المتنامية بين الإنسان والصقر تبدو أيضاً وكأنّها تُبعِد هيلين أكثر عن العالم البشري، فيما تتدهور حالتها الذهنية. هذه ليست قصة بسيطة.
أفضل ما في H Is for Hawk الصقر «مابل»، انّه يحظى بوقتٍ وافر على الشاشة، ويبدو واضحاً أنّ فوي تعلّمت التعامل معه من أجل الفيلم. يبدو «مابل» في غير مكانه بشكلٍ طريف داخل غرفة معيشة هيلين في سكن الزملاء الجامعيِّين، واقفاً على مجسّمه، يعتمر القلنسوة الجلدية التي تمنعه من الاضطراب تجاه أيّ شيء قد يحدث في الغرفة.
وبالتعاون مع مديرة التصوير شارلوت برووس كريستنسن، تمضي لوثورب لحظات طويلة تاركةً الكاميرا تنساب فوق جسد «مابل» المستطيل وريشه الرمادي المائل إلى البُنّي. نقترب من عينَيه الفضوليّتَين ومن مخالبه. نراه يأكل؛ يراقب هيلين، ويستجيب لها. وعندما يطير ويصطاد، تتبّع الكاميرا حركاته السريعة. وحين «يرفرف محاولاً الإفلات» - أي يحاول الطيران بعيداً وهو مربوط بذراع هيلين - نرى قوّته. من الواضح أنّ هيلين (وبالامتداد، فوي) تكافح لإبقائها هناك.
وهذا ما يجعل العلاقة المتنامية بين الصقر ومدرّبته أكثر إرضاءً، ولذلك حين تصادف مابل وهيلين لاحقاً أشخاصاً آخرين - أثناء نزهة في كامبريدج، أو في تجمّع للزملاء - يمكننا أن نشعر بعدم ارتياح الصقر. نفهم العلاقة على نحوٍ أفضل لأنّنا أمضينا وقتاً معهما معاً.
ما لا يعمل بالكفاءة نفسها في H Is for Hawk هو البُنية السردية، التي لا تتماسك تماماً. يعود بعض ذلك إلى ما هو شبه حتمي حين تُحوَّل المذكّرات إلى شاشة. فراوي المذكّرات يكون عادةً هو البطل، ولذلك يكون هذا الجنس الأدبي داخلياً بطبيعته، إذ يستطيع المؤلّف أن يُدخلنا إلى طبقاتٍ كثيرة من مشاعره. نرى بعينَيه ونحسّ بحواسه.
أمّا السينما، فعلى النقيض، هي وسيط خارجي - نحن نراقب الشخصية - وحتى أكثر المُخرِجين أو الممثلين حساسيةً، سيجد صعوبةً في تجاوز هذا القَيد. وبما أنّ هيلين ليست متحفّظة فحسب بل مكبوتة أيضاً، يصبح التحدّي أعقد. كما أنّ بعض الخيوط اللافتة لا تُشدّ بإحكامٍ كافٍ، مثل التساؤل المستمر في عمل هيلين، حول كيف تُشكّل القيود الاجتماعية والثقافية الطريقة التي يُمارَس بها العلم. هذا الخيط موجود، لكن قد تجد نفسك راغباً بالمزيد.
ما ينجح في H Is for Hawk (إلى جانب «مابل»، الذي يكفي حضوره وحده للتوصية بالفيلم) هو رفضه تبسيط الحزن أو ترتيبه في قالبٍ أنيق، أو الادّعاء بأنّ الشفاء يجب أن يبدو متشابهاً لدى الجميع.
تظهر جوليان النورويتشية، المتصوّفة من القرن الـ14، عدّة مرّات في أحاديث كريستينا وهيلين. كانت جوليان تعيش في عزلة دائمة داخل غرفة مسدودة بالجدران، مكرّسة نفسها لحياةٍ فردية من الصلاة. ما نعرفه عنها شحيح، لكن حين تقتبس كريستينا أشهر كلمات جوليان، يبدو لهيلين أنّها تحمل مفتاحاً ما لشفائها الخاص، مفاده أنّها في حزنها تستطيع أن تكون مثل الصقر، تحلّق عالياً فوق حياتها لتستوعب المشهد كاملاً، بما فيه الماضي والمستقبل. كتبت جوليان: «سيكون كلّ شيء على ما يرام، وكلّ أنواع الأشياء ستكون على ما يرام».